علي محمد علي دخيل

661

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

سلام تحيّة وكرامة كقوله سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ . وقيل معناه : فاصفح عن سفههم ولا تقابلهم بمثله . ندبه سبحانه إلى الحلم فلا يكون منسوخا عن الحسن . ثم هددهم سبحانه بقوله فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني يوم القيامة إذا عاينوا ما يحل بهم من العذاب . سورة الدخان مكية عدد آياتها تسع وخمسون آية ختم اللّه سبحانه سورة الزخرف بالوعيد والتهديد ، وافتتح هذه السورة أيضا بمثل ذلك في الإنذار بالعذاب الشديد . 1 - 11 حم مرّ بيانه وَالْكِتابِ الْمُبِينِ أقسم سبحانه بالقرآن الدالّ على صحّة نبوّة نبينا ( ص ) وفيه بيان الأحكام ، والفصل بين الحلال والحرام ؛ وجواب القسم إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ أي إنّا أنزلنا القرآن ، والليلة المباركة هي ليلة القدر عن ابن عباس وقتادة وابن زيد ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليه السّلام . ويدلّ عليه قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وقوله : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ . واختلف في كيفية انزاله فقيل : أنزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ، ثم أنزل نجوما إلى النّبيّ ( ص ) وقيل : انه كان ينزل جميع ما يحتاج في كل سنة في تلك الليلة ثم كان ينزله جبرائيل عليه السّلام شيئا فشيئا وقت وقوع الحاجة إليه . وإنما وصف اللّه سبحانه هذه الليلة بأنها مباركة لأن فيها يقسم اللّه نعمه على عباده من السنة إلى السنة ، فتدوم بركاتها ، والبركة : نماء الخير ، وضدها الشؤم : وهو نماء الشر ، فالليلة التي أنزل فيها كتاب اللّه مباركة ينمى الخير فيها على ما دبّر اللّه سبحانه لها من علوّ مرتبتها ، واستجابة الدعاء فيها إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ أي مخوّفين بما أنزلناه من تعذيب العصاة ، والإنذار : الإعلام بموضع الخوف ليتقى ، وموضع الأمن ليجتبى ، فاللّه عزّ اسمه قد أنذر عباده بأتمّ الإنذار من طريق العقل والسمع فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أي في هذه الليلة يفصل ويبيّن والمعنى : يقضي كلّ أمر محكم لا تلحقه الزيادة والنقصان ، وهو أنّه يقسم فيها الآجال والأرزاق وغيرها من أمور السنة إلى مثلها من العام القابل عن ابن عباس والحسن وقتادة ، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى . أَمْراً مِنْ عِنْدِنا معناه : إنّا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ محمدا ( ص ) إلى عبادنا كمن كان قبله من الأنبياء رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي رأفة منا بخلقنا ، ونعمة منا عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل عن ابن عباس إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لمن دعاه من عباده الْعَلِيمُ بمصالحهم رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقهما ومدبّرهما وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بهذا الخبر ، محققين له ، وهو انّه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا يستحق العبادة سواه يُحْيِي الخلق بعد موتهم وَيُمِيتُ أي ويميتهم بعد احيائهم رَبُّكُمْ الذي خلقكم ودبّركم وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ الذين سبقوكم . ثمّ ذكر سبحانه الكفار فقال : ليس هؤلاء بموقنين بما قلناه بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مما أخبرناك به يَلْعَبُونَ مع ذلك ، ويستهزءون بك وبالقرآن إذا قرئ عليهم ، عن الجبائي . وقيل : يلعبون : أي يشتغلون بالدنيا ، ويترددون في أحوالها . ثم خاطب نبيه ( ص ) فقال : فَارْتَقِبْ أي فانظر يا محمد يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ الدخان آية من اشراط الساعة تدخل في مسامع الكفار والمنافقين ، وهو لم يأت بعد ، وانه يأتي قبل قيام الساعة فيدخل أسماعهم حتى أن رؤوسهم تكون كالرأس الحنيذ ويصيب المؤمن منه مثل الزكمة ، ويمكث ذلك